قرية البيوت
ريكاردو رويث أورساتي Ricardo Ruiz Orsatti
ودراسته الاستخباراتية لقبيلة أنجرة تمهيدا للاحتلال
الإسباني
يُعَدُّ رِيكَارْدُو رُوِيثْ أورْسَاتِي (Ricardo Ruiz Orsatti) 1871-1946 واحدًا من أبرز المُسْتَعْرِبِينَ الإسبان المتخصصين في شمال المغرب خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وُلد بمدينة طنجة، وأتقن اللغة العربية، مما مكنه من الاندماج في المجتمع المغربي وفهم عاداته وقبائله عن قرب
بدأ مشواره المهني سنة 1890 مترجمًا بالقنصلية
الإسبانية في تطوان، ثم عُيِّنَ سنة 1898 نائبًا للقنصل الروسي
ومترجمًا له، وكانت إسبانيا آنذاك تمثل المصالح الروسية في المغرب. وفي سنة 1907 أصبح مديرًا للمدرسة الإسبانية العربية بطنجة، ثم عُيّن سنة 1916 مفتشًا للتعليم الإسباني العربي والأهلي بمنطقة الحماية الإسبانية. كما
عمل صحفيًا وكاتبًا، ونشر أبحاثًا عديدة حول قبائل شمال المغرب، وأدار مجلة Marruecos بين سنتي 1908 و1909.
ومن أهم أعماله دراسة "قبيلة أنجرة"
(La Kabila de Anyera)،
التي نُشرت سنة 1908 باعتبارها جزءًا من مشروع كتاب كان ينوي نشره بعنوان "من ملوية إلى اسبو" (Desde el Muluya al Sebú)، وهو مشروع لم يكتمل نشره. وتؤكد
مراسلاته مع الأديب الإسباني بنيتو بيريث أن هذا المشروع كان ثمرة رحلات ميدانية
قام بها في وشمال المغرب.
تكمن أهمية دراسة رويث أورساتي في أنها لم
تقتصر على وصف عام للقبيلة، بل قدمت معلومات دقيقة عن التنظيم القبلي، والدواوير،
وعدد السكان، والموارد الاقتصادية، والثروة الحيوانية، والزوايا، والمساجد، والطرق
والمسالك، والخصائص الجغرافية، والعادات والتقاليد التي تتشبث بها كل قرية، ومن
بين المناطق التي تناولها قرية البيوت، باعتبارها جزءًا من المشروع المستقبلي الذي كان يخطط له الاستعمار، نظرا
لموقها الاستراتيجي.
والسؤال الذي يطرح، كيف استطاع ريكاردو رويث
أورساتي أن يجمع هذا الكم الهائل من المعطيات بالتدقيق في غفلة من سكان القبيلة؟ لأنهم لو علموا بالأمر لطردوه. فهل كان متخفيا
ومتنكرا ولم يشعر به أحد نظرا لإتقانه اللغة العربية؟ هل استغل منصبه المهني ليجمع المعلومات بهذه
السهولة؟ ام كان يشغل منصبا في جهاز المخابرات؟ ام كان يندس وسط الأهالي ليعيش
حياتهم ويعرف جميع اسرارهم كعميل في المخابرات؟ اظن هذا ما حدث.
وكيف ما كانت المصادر، فقد ثبت تاريخيًا أن
هذه الدراسة كُتبت قبل فرض الحماية الإسبانية على شمال المغرب، وقبل الحملة
العسكرية التي انتهت باحتلال أجزاء واسعة من أنجرة، ومنها قرية البيوت في 29 يونيو 1916.
كما أن الإدارة الإسبانية كانت، خلال تلك
الفترة، تولي أهمية كبيرة للدراسات الميدانية التي توفر معرفة دقيقة بالقبائل، لِمَا
لها من قيمة في التخطيط الإداري والعسكري للسيطرة وبسط النفوذ.
![]() |
| عينة المعلومات الاستخباراتية الى حدود 31 12 1913 والمنشورة بتاريخ 25 2 1914 |
ان المنصب الرسمي لريكاردو رويث، وإتقانه للعربية، وصِلاته الوثيقة بالإدارة الإسبانية، وطبيعة المعلومات التفصيلية التي جمعها، تجعل دراسته وثيقة ميدانية استخباراتية ذات قيمة كبيرة، استفادت منها السلطات الإسبانية في معرفة المنطقة وسكانها قبل الهجوم عليها. ومن ثم فإن دراسة "قبيلة أنجرة" تمثل اليوم مصدرًا تاريخيًا أساسيًا لفهم الأوضاع التي سبقت احتلال أنجرة، ولتوثيق تاريخ قرية البيوت باعتبارها إحدى القرى التي شملها هذا الوصف قبل سنوات من دخول القوات الإسبانية إليها. وهذه عينة من المعلومات التي زود بها ريكاردو رويث أورساتي الاستعمار والذي نشرها في الجريدة الرسمية بمدريد بتاريخ 25 فبراير 1914 تحت رقم 22 والمتعلقة بمنطقة النفوذ الاسباني في المغرب منها قبيلة انجرة وقرية البيوت. تطوان 5 غشت 2026
الجريدة
الرسمية لمنطقة النفوذ الإسباني في المغرب - رقم 22
الثلاثاء 25
فبراير 1914
قبيلة أنجرة Kabila de Anyra)
ربع الغابة أو
الثلاثاء (Fracción
de El Gaba ó del Tslatsa)
قرية
البيوت (El
Biutz)
قرية البيوت هي إحدى القرى الكبيرة الأخرى
التابعة لهذا الربع. وتضم 170
تجمعاً من الأكواخ.
إن سكان هذه القرية هم، في معظمهم، فحّامون
يعيشون من سوق سبتة، التي يحملون إليها أيضاً البيض والدجاج وبعض المنتجات
الزراعية المحلية.
ويمتلكون بعض الأراضي المزروعة في الأراضي
الخصبة لواد المَرْسى (Uad
el Marsa)، وكذلك عند
سفح جبل موسى
(Ybel Musa).
وتوجد بالمنطقة أعداد كبيرة من الماعز،
وقليل من الأغنام، و150 حماراً صغيراً، و113 بقرة حلوباً، و26 زوجاً من الدواب
المخصصة للحرث، وعدد كبير من الدجاج.
أما كبار القوم، أو كما يمكن أن نقول أعيان
القرية وذوو النفوذ فيها، فمنهم أولاد الحسناوي
(Ulad El Hasnaui)،
وأبرز زعمائهم هو الفقيه سيدي محمد الحسناوي
(Fakih Sid Mohammed El Hasnaui)؛
وأولاد الهيشو (Ulad Hixu)، ومن بينهم يبرز ولد الحاج
محمد (Uld el
Hach Mohammed)؛
وكذلك أولاد الحداد
(Ulad El Haddad) وأولاد الهيدور
(Ulad Haidor).
وفي وسط الدشر يوجد المسجد، وهو مبني بالحجارة والملاط، ويمر
عند أسفله جدول من المياه العذبة. وتزوّد القرية بالماء العذب عدة عيون. وبالقرب من الجدول، وفي وسط غابة كبيرة من الزيتون البري والضرو
والقَطْلَب، التي تظلل المقبرة، يوجد ضريح يحظى بقداسة كبيرة لأحد الأولياء
الصالحين، يسمّونه سيدي المخفي
(Sidi El Mojfi) أو مول البلاد
(Mul el Blad).
وفي يوم سابع المولود (Sabea el Mulud)، أي في ذكرى اليوم السابع من مولد النبي
محمد، يتوافد جميع سكان الربع (er-rbaa)، أي سكان هذا الفرع، للاحتفال.
يحمل الرجال أفضل أسلحتهم، ويمارسون على مدى
عدة أيام الرماية على الهدف وإطلاق البارود؛ أما النساء فيرتدين أجمل وأحدث
ملابسهن، ويكافئن أفضل الرماة بـالزغاريد أو صيحات الفرح (bergualas)، وهي صيحات مميزة لنساء جبال المغرب.
أما الصبية فيجدون جنتهم في أكشاك الفواكه
المجففة، والألعاب البدائية، والحلويات.
ويمتلك هؤلاء القرويون 120 بندقية، معظمها من الطرازات الحديثة.
وحول المسجد تتجمع نصف الأكواخ التي تتكون
منها القرية، بينما تنتشر الأكواخ الأخرى متباعدة عن بعضها، تفصل بينها
البساتين.
وتوجد ثلاثة مقاهي يجتمع فيها الناس
المتفرغون، ويباع فيها، إضافة إلى الشاي والقهوة، التبغ والسجائر والكِيف.
ويمتلك أربعة أشخاص من هذه القرية
متاجر خاصة بهم في سوق الثلاثاء (Tslatsa)، حيث يذهبون أيام الثلاثاء لبيع السكر
والشاي والشموع والتوابل والأقمشة وغير ذلك.
ويمتلك سكان هذه القرية أيضاً بعض الأبقار السائبة التي ترعى في القمم العالية لجبل موسى.
وقد جعلتها الحرية التي تربى فيها هذه الأبقار وحشية وجريئة في الهجوم، إلى درجة تشبه معها ثيراننا الإسبانية الهائجة. ويقومون باصطيادها بالرصاص أو بواسطة الحبال/الكمائن
أُنجزت هذه الوثيقة سنة 1908 على يد الإسباني ريكاردو رويث أورساتي (Ricardo Ruiz Orsatti)، الذي جاب مختلف قبائل شمال المغرب، وجمع معلومات دقيقة عن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، ثم وضعها رهن إشارة السلطات الإسبانية، في وقت كان سكان المنطقة يجهلون اهدافه التجسسية والاستخباراتية في المنطقة. وقد شكّلت هذه المعطيات رصيدًا استخباراتيًا بالغ الأهمية استغلته إسبانيا بعد مرور أربع سنوات في هجومها على قرية البيوت يوم 29 يونيو 1916. وقد نُشرت هذه الوثيقة في الجريدة الرسمية الخاصة بمنطقة النفوذ الإسباني في المغرب، الصادرة يوم الثلاثاء 25 فبراير 1914.
xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx
EL MUNDO
بشأن كمين البيوت LA EMBOSCADA DEL BIUT
الأحد، 23 يوليوز 1916
وخيانة بيناكري Y LA TRAICION DEL VINAGRE
يومًا بعد يوم، ورغم
التصحيحات الرسمية وغير الرسمية الساذجة، تتأكد صحة ما كشفناه بشأن خيانة بيناكري
Vinagreوكمين
البيوت، فضلًا عما ذكرناه بشأن الأخطاء الأخرى في تلك العملية، والتي تسببت في
تفاوت كبير بين أهمية الهدف المُحقق وعدد الخسائر.
وقد أكد جميع المراسلين،
بدرجات متفاوتة من الوضوح، دقة تقاريرنا بشأن هاتين الحقيقتين الأساسيتين:
- أولًا: أن قواتنا وقعت في
كمين بسبب ثقة القيادة المفرطة.
- ثانيًا: أن الخطأ الفادح
تمثل في مهاجمة سلاح الفرسان على طريق وعر باتجاه تل محصن، دون أي استعداد أو دعم
مدفعي. هذه الحقائق واضحةٌ جليّة، وسنُصرّ عليها حتى يتمّ تحديد المسؤوليات
المُقابلة، لدرجة أن صحيفة "لا كورسبوندينسيا ميليتار La Correspondencia Militar " المتخصصة ذكرت في تقريرها المنشور قبل يومين ما يلي:
وصل بيناكري، زعيم العصابة
وسارق الماشية، إلى رتبة شيخٍ عام 1905؛ كان هذا اللص رئيس قرية
البيوت، وهو الذي ظهر فجأةً ليُطمئن الجميع بأنه لن يُبدى أي مقاومة في أماكن
مُحدّدة؛ لقد كذب. اضطرّت فرساننا إلى الركض على طريقٍ وعرٍ لا يتجاوز عرضه ثلاثة
أمتار، مُتكبّدين خسائر فادحة، كما تكبّدت الكتيبة النظامية خسائر مماثلة، والتي
تعرّضت، مثل فرساننا، لهجومٍ من الأمام والجوانب من عدوٍّ مُتفوّقٍ ومُتحصّن. والمنحدرات
شديدة الانحدار، مما يجعل إجلاء الجرحى في غاية الصعوبة. هكذا قاتلت قواتنا."
هذا ما حدث للكتيبة المركزية. لنرَ الآن ما حدث للكتيبة اليسرى، وفقًا
للزميل نفسه: "غادرت القوات النظامية R. del
Barrio, Arapiles, Llorena ، وبطارية مدفعية، ومجموعة من الرشاشات (كتيبة مارتينيز أنيدو columna Martínez Anido) موقع المنيزلة في الرابعة صباحًا،
وصعدت منحدر الحافة الحمرة (ارتفاعه 500 متر، وتغطيه نباتات بارتفاع
مترين)، وتقدمت أربعة كيلومترات، وسيطرت على الموقع، واستولت عليه في هجوم خاطف بالحراب
."
la
bayoneta
لم يكن هناك أي استعداد مدفعي، منذ الفجر،
تعرّضت القافلة التي غادرت المنيزلة للمضايقة؛ وسارَت عبر حقل ألغام؛
وتطلّب النجاة منه مهارةً ودهاءً وشجاعةً، واحتاج الأمر إلى ستين رجلاً للاستيلاء
على الموقع، وكانت سرية مونيوث ﯖوي Muñoz Guí الأكثر تضررًا؛
هذا القائد، الذي جُرح مع ثلاثة من مرؤوسيه وعدد من الجنود، قاتل كأسدٍ محاصر
ودافع عما تم الاستيلاء عليه بجهدٍ لا يُضاهى؛ في هذه اللحظة بالذات، استشهد شقيقه
إنريكي Enrique بطلاً على تل لاس ترينشيراس Las Trincheras، مع فيغا الذي لا يقل عنه شجاعةً وبطولةً.
فكان على هذا الرتل أن
يُقدّم العون للآخرين: "انضمت القوات على اليسار،" يتابع المؤرخ،
"إلى القوات في الوسط؛ لم يكن وصولهم ليأتي في وقتٍ أنسب؛ كانت مساعدتهم لا
غنى عنها، وكان توحيد صفوفهم ضربة حظ، ونجاحًا.
أما بخصوص الرتل الآخر، الرتل الأيمن، فقد أشار زميلنا، كما ذكرنا
سابقًا، إلى أنه "كان من المفترض أن يستولي على عين شيشا، متتبعًا تحركات
الرتل الأوسط"؛
ولكن نظرًا لأن هذا الرتل
وقع في كمين، فقد اضطر إلى الاستيلاء على تلة لاس ترينشيراس Las Trincheras ، متجاوزًا مسارات وعرة، ومواجهًا مقاومة هائلة،
لعدم وجود دعم مدفعي. لم يتمكن الرتل الأيمن من الوصول إلى عين التشيشة Ain Xixa، التي كانت الهدف الرئيسي للعملية. لذلك:
- أولًا:
بسبب ثقة القيادة العليا المفرطة، وقع الرتل الأوسط في كمين، وتكبد عددًا من
الخسائر التي كان من الممكن تجنبها لو كان تقدمه مدعومًا بالمدفعية.
- ثانيًا: إن الحاجة إلى التغلب على مقاومة
العدو غير المتوقعة، بالهجوم عبر مسارات وعرة تحيط بأودية عميقة جدًا، فرضت
تأخيرًا حال دون احتلال عين التشيشة Ain
Xixa.
- ثالثًا: كان على الرتل الأيسر أيضًا الاستيلاء على تلة الحافة
الحمراءHafa el Hamra ، التي يبلغ ارتفاعها 500 متر وتغطيها شجيرات
كثيفة يصل ارتفاعها إلى مترين، امتدت، بفضل الإرادة القوية، لمسافة أربعة
كيلومترات في قتال متواصل.
هذه أمورٌ، من أجل مصلحة الوطن والجيش، يجب أن تُعاقَب بشدة حتى لا تتكرر. xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx
|
نقلاً عن صحيفة El Conservador DE Madrid الصادرة في 22 أبريل 1914 |
|
وصحيفة El Siglo Futuro، العدد 2842، الصادر في 13 أبريل 1914 |
ولم تكن هذه الحادثة استثناءً، بل
تكررت في مناسبات سابقة، حيث جرى الإفراج عن
محتجزين إسبان آخرين بالطريقة نفسها، من بينهم الرقيب كارمونا
(Carmona)، والجندي راميريث (Ramírez)، إضافة إلى أسرة من طرخال، وخادم، وجندي، وبائع.
والمفارقة أن الضابط نفسه، الظاهر في
هذه الصورة، عاد بعد نحو عامين، برفقة عدد من الصحفيين، ليقف أمام أنقاض المنزل
الذي كان قد احتُجز فيه، معبرًا عن ابتهاجه بما ألحقه الجيش الإسباني به من حرق
وهدم أثناء هجومه على القرية يوم 29 يونيو 1916، وكأنه وجد في ذلك انتقامًا يُطفئ
نار الحقد والضغينة التي ظل يحملها منذ أسره

